تونس في 2 ماي 2026

حرية الصحافة في تونس 2026: تفكك النظام الإعلامي وتآكل الضمانات الديمقراطية

تصدر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تقريرها السنوي حول الحريات الصحفية في تونس للفترة الممتدة من غرّة أفريل 2025 إلى غرّة أفريل 2026، إحياءً لليوم العالمي لحرية الصحافة، في سياق وطني ودولي بالغ التعقيد، يتسم بتداخل عميق بين تحولات سياسية متسارعة، وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وتسارع لافت في مسارات التحول الرقمي التي تعيد تشكيل المجال الإعلامي ووظائفه. غير أن هذا السياق لا يمكن فصله عن مناخ سياسي داخلي يتسم بتضييق متزايد على المجال العام، وإعادة رسم حدوده بما يقلّص من أدوار الفاعلين المستقلين، ويضع الإعلام أمام اختبارات غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

غير أن خصوصية المرحلة في تونس لا تكمن فقط في هذا التداخل، بل في كونها تعكس أزمة مركّبة تمسّ في العمق أسس المجال العام، وتضع موضع تساؤل جدي مجمل الضمانات الديمقراطية التي أفرزتها ثورة الحرية والكرامة. فالأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام اليوم لم تعد أزمة قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت تعبيرًا مكثفًا عن اختلالات أوسع تطال التوازن بين السلطة والمجتمع، في سياق سياسي يتجه بشكل متسارع نحو تجريف الحياة السياسية، وتحجيم دور المجتمع المدني، وإضعاف الأجسام الوسيطة، تحت مبررات متعددة من قبيل مكافحة الفساد أو حماية الدولة من التفتت، بما أفضى عمليًا إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس أكثر انغلاقًا وأقل تعددية.

لقد دخلت الصحافة في تونس مرحلة مفصلية تتجاوز مسألة حرية التعبير في معناها التقليدي، لتطرح إشكالًا أعمق يتعلق بمستقبل المهنة نفسها، وبقدرتها على الاستمرار كوظيفة اجتماعية ديمقراطية قائمة على التعددية، والرقابة، والمساءلة. ففي ظل سياق يتسم بتراجع آليات الضبط والتعديل المستقل، وتزايد الصعوبات الاقتصادية، وتضييق متنامٍ على النفاذ إلى المعلومة، إلى جانب تنامي مناخ عام تغلب عليه الضغوط السياسية والأمنية، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها أمام تحديات وجودية تهدد استقلاليتها، وتدفع بها تدريجيًا نحو فقدان قدرتها على أداء دورها كوسيط نقدي داخل الفضاء العام.

ولا يمكن فهم هذا التقهقر المتسارع في واقع الحريات الصحفية بمعزل عن السياق السياسي العام، حيث تتقاطع التحولات المؤسساتية مع خيارات سياسية تعيد رسم حدود المجال العام، وتؤثر بشكل مباشر في البيئة الحاضنة لحرية التعبير. 

فمهما تعددت العوامل التقنية والاقتصادية، تبقى المسؤولية السياسية عنصرًا حاسمًا في تفسير هذا التراجع، خاصة في ظل سياسات عمومية تميل إلى التحكم في مفاصل المجال الإعلامي، سواء عبر التشريع، أو عبر التضييق على النفاذ إلى المعلومة، أو عبر إضعاف الهيئات التعديلية، أو من خلال خلق مناخ من الخوف والضغط غير المباشر، يجعل من ممارسة العمل الصحفي فعلًا محفوفًا بالمخاطر.

إن ما تعيشه تونس اليوم هو لحظة دقيقة تتسم بتآكل تدريجي للضمانات التي أرستها الثورة، وهي الضمانات التي لم تكن نتاج مسار عادي، بل ثمرة نضالات طويلة وتضحيات جسيمة، سالت من أجلها دماء التونسيين دفاعًا عن الحرية والكرامة، وفي مقدمتها حرية التعبير والصحافة. غير أن هذه المكاسب تبدو اليوم في مواجهة مسار تراجعي واضح، تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع الخيارات السياسية، بما يعمّق هشاشة الحريات ويضعها تحت ضغط مستمر.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن هذه الحريات لم يعد مجرد موقف مهني أو حقوقي، بل أصبح جزءً من معركة أوسع تتعلق بالحفاظ على مكتسبات الثورة ومنع التراجع عنها، في مواجهة سياق يتجه نحو إعادة تركيز السلطة وتقليص مساحات التعبير المستقل، وإعادة تعريف دور الإعلام من فاعل رقابي إلى مجرد ناقل أو هامش داخل المجال العام.

في هذا السياق، يأتي هذا التقرير ليقدم قراءة دقيقة وشاملة لواقع الحريات الصحفية خلال الفترة المرجعية، ليس فقط من خلال رصد الانتهاكات والمؤشرات، بل أيضًا عبر تحليل السياقات السياسية والاقتصادية التي تنتجها، وتسليط الضوء على التحولات العميقة التي يشهدها القطاع. وهو بذلك لا يهدف فقط إلى التوثيق، بل يسعى إلى الإسهام في النقاش العام حول مستقبل الصحافة في تونس، والدفاع عن دورها كأحد أعمدة النظام الديمقراطي، في لحظة تاريخية تتطلب أكثر من أي وقت مضى استعادة المعنى الحقيقي للحرية بوصفها شرطًا لوجود المجال العام ذاته.

 

وضع حرية الصحافة في تونس

 

 

سجلت النقابة 154 حالة اعتداء على الصحفيين خلال الفترة التي يشملها التقرير من 1 أفريل 2025 إلى 1 أفريل 2026. ورغم أن هذا الرقم يُظهر تراجعًا نسبيًا مقارنة بالفترات السابقة، إلا أن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسنًا فعليًا في واقع حرية الصحافة، بقدر ما يخفي تحولات في طبيعة الانتهاكات وأشكالها.

حيث تطور عدد الاعتداءات خلال السنوات الخمس الأخيرة: 

السنة 2022 2023 2024 2025 2026
عدد الاعتداءات 214 257 211 167 154

يظهر تطور عدد الاعتداءات خلال السنوات الخمس الأخيرة نسقًا غير مستقر يعكس هشاشة بيئة العمل الصحفي أكثر مما يعكس منحىً واضحًا نحو التحسن. فقد ارتفع عدد الاعتداءات من 214 حالة سنة 2022 إلى 257 حالة سنة 2023، قبل أن يشهد تراجعًا تدريجيًا إلى 211 سنة 2024، ثم 167 سنة 2025، وصولًا إلى 154 حالة سنة 2026. ورغم هذا التراجع الكمي، فإن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تبرز أن الانخفاض لا يعكس بالضرورة تقلصًا فعليًا في حجم الانتهاكات، بل قد يرتبط بتحولات في أشكالها أو بتراجع القدرة على التبليغ والتوثيق في ظل مناخ ضاغط.

 

التوصيات العامّة

 

على ضوء متابعتها لواقع الحريات الصحفية في تونس خلال هذه السنة، يهم النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن تتوجه بالتوصيات التالية لكل الأطراف المعنية بقطاع الإعلام في تونس

 رئاسة الجمهورية :

  • مراجعة السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية والانفتاح على وسائل الإعلام على أساس:
  • ضمان المساواة الكاملة بين وسائل الإعلام
  • تكريس الشفافية والنشر الاستباقي للمعلومة
  •  الانفتاح المنتظم والمؤسسي على الهياكل المهنية ومنظمات المجتمع المدني بهدف تطوير السياسات العمومية للإعلام ومعالجة الإشكاليات الهيكلية للقطاع، خاصة المتعلقة بالضبابية القانونية والإدارية.

 

مجلس نواب الشعب :

  • تسريع النظر في مشروع تعديل المرسوم 54 بما يضمن : 
  • عدم تسليط عقوبات سالبة للحرية في قضايا الصحافة والتعبير 
  • منع توظيفه ضد العمل الصحفي والمحتوى الإعلامي
  •  التسريع في النظر في المبادرة التشريعية المتعلقة بإرساء هيئة الاتصال السمعي البصري بما يضمن
  • استقلاليتها الفعلية
  • قدرتها على تعديل المشهد الإعلامي وضمان التعددية والمساواة
  • تسريع النظر في مشروع قانون “إحداث خطة مدرس مادة التربية على وسائل الإعلام والاتصال”، في ظل حاجة استعجالية لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض الرقمي وتعزيز التربية الإعلامية والنقدية لدى الناشئة

 

  رئاسة الحكومة :  

  • تعديل السياسة الاتصالية الخاصة بها في اتجاه الانفتاح على كل وسائل الإعلام على قدم المساواة وضمان ولوج الصحفيين/ات إلى تغطية الزيارات الميدانية للمسؤولين الحكوميين في مختلف الولايات وخاصة الداخلية.
  • إيقاف العمل بالمناشير المعيقة للحق في الحصول على المعلومات وتفعيل مبدأ النشر التلقائي للمعطيات والتقارير المتعلقة بنشاطها
  • الاستئناف الفوري لمنح التراخيص المكتوبة لوسائل الإعلام الدولية للتصوير في الفضاء العام .
  • إخطار الوزارات التي تعود لها بالنظر بتعثر إسناد تراخيص العمل لمراسلي وسائل الإعلام الدولية في تونس وبتواصل العمل بالتراخيص والبطاقات القديمة في انتظار حل الاشكال
  • تركيز آلية وطنية دائمة ومستقلة لرصد الاعتداءات على الصحفيين وحرية التعبير، مع:
  • نشر تقارير دورية
  • ضمان آليات إنصاف ومساءلة فعّالة
  • مراجعة السياسة الاتصالية الحكومية بإلغاء كل أشكال التحكم المركزي في المعلومة، وضمان:
  • المساواة بين وسائل الإعلام
  • النفاذ غير التمييزي للتغطيات الميدانية
  •  إيقاف العمل بالمناشير الإدارية المقيدة للحق في النفاذ إلى المعلومة، وتفعيل:
  • مبدأ النشر التلقائي للمعطيات العمومية
  • الاستئناف الفوري لمنح التراخيص للمؤسسات الإعلامية الدولية دون قيود إجرائية غير مبررة
  • ضمان استمرارية اعتماد بطاقات اعتماد الصحافة الدولية السابقة قبل اي معالجات تنظيمية جديدة

 

 

  الجهات القضائية :  

  • مراقبة احترام الحق في الحصول على المعلومات والتغطية الصحفية داخل قاعات المحاكم وإزالة كل العوائق الغير مشروعة أمام عمل الصحفيين/ات
  • اعتماد خبراء مختصين لدى المحاكم في مادة حرية الرأي والتعبير وتعزيز الاعتماد على المعايير الدولية في المادة في عمل القضاء التونسي
  • ايقاف إحالة الصحفيين/ات على معنى المرسوم 54 والنصوص الزجرية العامة في قضايا النشر، واعتماد المرسوم 115 كإطار حصري.
  •  الحد من إصدار الأحكام السالبة للحرية في قضايا الصحافة وتكريس اجتهاد قضائي منفتح ينسجم مع المعايير الدولية لحرية التعبير.
  • تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا الصحافة، وخاصة احترام:
  • حق الدفاع
  • علنية الإجراءات
  • ضمان الحق في التغطية الإعلامية داخل المحاكم دون تضييق أو منع غير مبرر.
  •  إرساء تكوين متخصص للقضاة في قضايا حرية التعبير والمعايير الدولية ذات الصلة.

وزارة الداخلية : 

  • توفير الحماية الضرورية لضمان أمن وسلامة الصحفيين/ات خلال تغطية التظاهرات والتجمهرات ومحاسبة الأمنيين المنخرطين في العنف على الصحفيين/ات.
  •  تفعيل دور خلية الأزمة داخلها ومد النقابة بقائمة المكلفين بالعمل فيها لتسهيل التنسيق المشترك في مجال أمن وسلامة الصحفيين/ات
  • توفير الحماية الفعلية للصحفيين/ات خلال التغطيات الميدانية، خاصة في التظاهرات والاحتجاجات، مع:
  • منع كل أشكال العنف أو الإعاقة غير المبررة للعمل الصحفي
  • محاسبة كل الأمنيين المتورطين في اعتداءات ضد الصحفيين عبر آليات شفافة وعلنية.
  •  تفعيل خلية الأزمة الخاصة بأمن الصحفيين وتطويرها، مع:
  • التنسيق المباشر والدائم مع النقابة
  • نشر قائمة المكلفين بها لضمان النجاعة والشفافية

وزارة الثقافة : 

  • فتح تحقيق في التجاوزات المسجلة خلال التظاهرات الثقافية خلال السنة التي يشملها التقرير والتدقيق في مدى احترام معايير الشفافية والمساواة في عملية اعتماد الصحفيين/ات.
  • وضع سياسة عمومية واضحة في التعامل مع وسائل الإعلام والهياكل المهنية في إطار ضمان حرية العمل الصحفي والمساواة بين وسائل الإعلام
  •  فتح تحقيق إداري في التجاوزات المسجلة خلال التظاهرات الثقافية، خاصة المتعلقة:
  • بالتمييز في اعتماد الصحفيين
  • بغياب الشفافية في التغطيات
  •  وضع سياسة عمومية واضحة وموحدة للتعامل مع وسائل الإعلام، تقوم على:
  • المساواة
  • الشفافية
  • احترام استقلالية الصحفيين

إدارة المؤسسات الإعلامية بـ:

  • إيقاف كل أشكال التدخل في الخط التحريري وضمان الاستقلال الفعلي لغرف الأخبار عن الإدارة.
  • تفعيل مجالس التحرير خاصة في وساءل الأعلام العمومية
  • وضع مواثيق تحرير داخلية ملزمة تمنع الرقابة المسبقة والتدخل الإداري في المحتوى.
  • ضمان المساواة داخل المؤسسات الإعلامية في توزيع المهام والتغطيات دون تمييز.
  •  إرساء آليات داخلية للتبليغ عن الضغوط المهنية أو التحريرية وحماية المبلّغين.

 

الجهات السياسية والمدنية : 

  • التصدي لمحاولات تقييد حرية الإعلام أو استهداف الصحفيين عبر خطاب سياسي أو اجتماعي تحريضي.
  • دعم جهود إصلاح القطاع الإعلامي بما يعزز الاستقلالية والتعددية.
  • المساهمة في بناء مناخ ثقة بين الإعلام والمجتمع من خلال:
  • احترام دور الصحافة
  • رفض خطاب الكراهية ضد الصحفيين
  • دعم الحق في المعلومة كحق مواطني أساسي

 

التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية في تونس لسنة 2026

الملخص التنفيذي للتقرير 

 

 

النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين