مقدمة

 

تحتفل بلدان العالم، ومعها تونس، اليوم 03 ماي 2019 ، باليوم العالمي لحرية الصحافة في نسخته السادسة والعشرين. وتحتفل منظمة اليونسكو بهذا اليوم في حوالي 100 بلد، بما فيها تونس، تحت شعار “الإعلام من أجل الديمقراطية والصحافة و الانتخابات في زمن التضليل الإعلامي” و يرتبط هذا المحور مباشرة بأهداف التنمية المستدامة الذي حددته الأمم المتحدة و خطة الاتحاد الإفريقي التي تسعى إلى بناء ” قارة أفريقية يسودها الحكم الرشيد و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان و العدالة و سيادة القانون”

ونحيي في تونس هذا اليوم في سنة تواجه فيها بلادنا استحقاقات انتخابية على غاية من الأهمية و هي الانتخابات التشريعية و الرئاسية. ومن المفترض أن تساعد هذه الاستحقاقات بلادنا على إنهاء فترة من الانتقال الديمقراطي والدخول في مرحلة جديدة باستكمال مسار المؤسسات الدستورية. وفي كل الديمقراطيات العريقة والناشئة، تلعب وسائل الإعلام والمشهد الإعلامي بشكل عام دورا أساسيا في نقاش ديمقراطي ومساهمة مواطنية في الشأن العام.

ويكون الإعلام الفضاء ذو المصداقية الذي يحتضن كل أشكال التعددية و الديمقراطية و لا تضمن نزاهة الانتخابات و شفافيتها في صناديق الاقتراع فقط كما أن عمليات التزوير و التلاعب بنتائج الانتخابات لا تقتصر على محتويات صناديق الاقتراع بل أن التلاعب الحقيقي و التزوير الفعلي يحدث قبل ذلك من خلال التلاعب بإرادة الناخب و تضليله و توجيهه عبر وسائل الإعلام.

لذلك حرصت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين منذ سنة 2011 على ضرورة أن يكون هناك مشهدا إعلاميا متنوعا يتميز بتعددية فعلية تلعب فيه وسائل الإعلام المستقلة دورا أساسيا في إنارة الرأي العام بعيدا عن لوبيات التأثير والتوجيه والتضليل. و تعتبر النقابة أن الصحافة الحرة هي الضمانة الحقيقية    والسبيل الوحيد لمنع تضليل المواطنين و تمكينهم من المشاركة الفعلية في الشأن العام و ضمان انتخابات نزيهة و شفافة.

و تتوزع هذه الضمانات على أكثر من مستوى:

أولا بيئة تشريعية منفتحة تكون فيها القوانين متلائمة مع الدستور التونسي و مع المعايير الدولية الضامنة لحرية الصحافة وأساسا البند 19 من الإعلام العالمي لحقوق الإنسان والبند 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية. لذلك طالبت النقابة ولازالت تطالب بضرورة استعجال النظر في القانونين الأساسيين المتعلقين بحرية الصحافة و النشر و حرية الاتصال السمعي البصري ( المعوضين للمرسومين 115 و 116) وضرورة ألّا يتراجع عما تم تحقيقه سابقا من مكاسب تضمن حرية الصحافة و استقلالية وسائل الإعلام. كما تشدد النقابة على أن  اعتماد قانون النفاذ للمعلومات الذي يعتبر من أفضل القوانين في العالم لم يمنع السلطة التنفيذية من تجاوز هذا القانون والقيام بممارسات قصد التعتيم وإخفاء المعلومة و عدم الشفافية وتطبيق منشور عدد4 الذي قالت أنه تراجعت عنه والذي ينسف كل المكاسب التي حققها هذا القانون.

ثانيا تنظيم و تعديل ذاتي و وضع حد لتدخل السلطة التنفيذية: تعتبر الصحافة الحرة سلطة مضادة للسلطة التنفيذية و بقية السلطات، لذلك رفض الصحافيون ومازالوا وجود إشراف من السلطة التنفيذية على الإعلام عبر وزارة تشرف على القطاع. وتعتبر النقابة أن حرية الإعلام في نظام ديمقراطي يضمن من خلال هيئة تعديلية مستقلة بالنسبة للإعلام السمعي البصري يكون لها وحدها تنظيم القطاع وفق القانون و هيئة للتعديل الذاتي من أجل صحافة الجودة تقوم بدورها في حماية الجمهور من انتهاكات و انحرافات وسائل الإعلام والصحافيين وفي تمكين هؤلاء من الممارسات الجيدة التي تضمن صحافة نزيهة و أخلاقية. وتعتبر النقابة أن جمهور منفتح وواع يقاطع صحافة الرداءة والفساد و يشجع المنتوج الإعلامي المهني هي حلقة أساسية لا غنى عنها.

ثالثا مقاومة الفقر و الفساد في الإعلام: لطالما اعتبرت النقابة أن من أهم ضمانات إعلام الجودة بعيدا على تأثير لوبيات الفساد ومراكز النفوذ هو مقاومة التفقير والتهميش داخل القطاع الصحفي، فالصحافة الحرة التي تلتزم بأخلاقيات المهنة  لا يمكن أن تنبت في مناخ من الفقر والتهميش وخاصة في صفوف الشباب والنساء في القطاع الصحافي. لقد اعتبرت النقابة منذ الثورة إلى الآن أن نقطة الضعف الأساسية بالنسبة إلى قطاع الإعلام هي حالة الهشاشة التي سمحت للمال الفاسد باستغلاله و التغلغل في القطاع لذلك عملت على إنجاز اتفاقية مشتركة للصحفيين تضمن كرامتهم و استقلاليتهم و قد تم توقيع هذه الاتفاقية يوم 9 جانفي الماضي من قبل النقابة و شركائها الاجتماعيين من ممثلي الأعراف في مجال السمعي البصري و الصحافة المكتوبة. و تطالب النقابة بالنشر الفوري لهذه الاتفاقية من أجل إكسابها الصبغة التنفيذية في عملية تنفيذها.

رابعا إصلاح الإعلام العمومي: يلعب الإعلام العمومي الممول من دافعي الضرائب دورا أساسيا في ترسيخ الصحافة الحرة وفي الأنظمة الديمقراطية يكون للمرفق العمومي بما يتميز به من مصداقية وتوازن دور القاطرة لحرية الإعلام وجديته،ولذلك طالما طالبت النقابة باستكمال إصلاح الإعلام العمومي بمراجعة تركيبة مجالس اداراته التي تتكون حاليا من ممثلي السلطة التنفيذية من خلال  تشريك المجتمع المدني وممثلي الجمهور دافعي الضرائب في تركيبة هذا المجلس و التأكيد على استقلالية أعضاءه وفهمهم لدور المرفق العام و لمفهوم الخدمة العامة. كما طالبت النقابة بفتح نقاش مجتمعي يشارك فيه البرلمان والجمهور حول ما يسمى بالسياسة العمومية للإعلام التي تحدد التوجهات الكبرى للإعلام العمومي. و تشدد النقابة على ضرورة تغيير صيغة تسمية المسؤولين عن الإعلام العمومي من خلال فتح ترشحات حرة  وفق رؤية واضحة للمترشحين تتوج بعقد أهداف وبرامج لمدة معينة, مع ضمان مسائلة هؤلاء وضمان الاستقلالية المالية للمرفق العمومي.

في المجتمعات الديمقراطية كما في المجتمعات التي تشهد فترة انتقال يلعب الإعلام دورا حاسما لنجاح تجارب الشعوب: إمّا إعلام حر تعددي ضامن للديمقراطية و للحريات العامة و الفردية أو واجهة للحرية وديكور يخفي وراءه أعلام رديء وموجه ومضلل ومتلاعب من قبل الحكومات أو مراكز النفوذ أو لوبيات الفساد.

 

نقيب الصحفيين التونسيين

ناجي البغوري

لتحميل التقرير اضغط هنا