تونس في 01 جويلية 2026
بيــــــــــــــان
تتابع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين باهتمام مناقشة مجلس نواب الشعب لمشروع مخطط التنمية 2026-2030، باعتباره الوثيقة التي ستحدد أولويات الدولة وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات المقبلة، والتي يفترض أن تعكس تصورا متكاملا لمقومات التنمية وأدواتها.
وفي هذا السياق، تسجل النقابة باستغراب غياب أي رؤية واضحة لقطاع الصحافة والإعلام ضمن مختلف مكونات المشروع، رغم أن هذا القطاع لم يعد في التجارب المعاصرة، يُنظر إليه باعتباره مجرد مجال مهني أو أداة للتواصل، وإنما أصبح جزءً من البيئة المؤسسية التي تقوم عليها التنمية الناجحة.
ولأن التنمية ليست مجرد مشاريع واستثمارات ومؤشرات نمو، بل هي أيضا منظومة تقوم على الشفافية، وتداول المعلومات، والمساءلة، ومشاركة المواطنين في متابعة الشأن العام، وهذه كلها وظائف لا يمكن تصورها دون إعلام مهني، حر، ومستقل، قادر على نقل المعلومة، وفتح النقاش العمومي، ومرافقة السياسات العمومية بالنقد والتقييم والتفسير.
ولأن تجارب العديد من الدول بيّنت أن وجود إعلام قوي ومستقل لا يشكل عبئًا على الدولة، بل يمثل عنصرا من عناصر نجاح السياسات العمومية، لأنه يساهم في تعزيز الثقة، والحد من الإشاعات، وكشف الإخلالات قبل استفحالها، وإتاحة المعلومات للمواطنين، بما يساعد على تحسين تنفيذ البرامج العمومية وتقييم نتائجها.
ولأن قطاع الإعلام نفسه أصبح قطاعا اقتصاديا واعدا، يرتبط بالاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية، ويوفر فرصا للاستثمار والتشغيل وإنتاج المحتوى، وهو ما يجعل تجاهله في وثيقة بحجم مخطط التنمية أمرا يصعب تبريره، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
فإن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تدعو أعضاء مجلس نواب الشعب إلى تدارك هذا النقص من خلال العمل على إدراج رؤية واضحة لتطوير قطاع الصحافة والإعلام ضمن مشروع المخطط، بما ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة ومعايير الحوكمة الرشيدة.
وترى النقابة أن هذه الرؤية ينبغي أن تقوم على جملة من المحاور الأساسية، وفي مقدمتها:
– الاعتراف بالإعلام باعتباره قطاعا منتجا ومكونا من مكونات الاقتصاد الثقافي والرقمي، بما يستوجب إدراجه ضمن السياسات العمومية الخاصة بالتنمية والاستثمار.
– وضع سياسات تضمن استدامة المؤسسات الإعلامية، وتدعم انتقالها الرقمي، وتعزز تنافسيتها، وتشجع الاستثمار والابتكار في قطاع الإعلام.
– تطوير البيئة التشريعية والمؤسساتية بما يكفل استقلالية الإعلام والتعددية وحرية الصحافة، باعتبارها ضمانات أساسية لنجاح أي إصلاح تنموي.
– تعزيز الحق في النفاذ إلى المعلومات والبيانات العمومية، بما ييسر متابعة تنفيذ المشاريع والسياسات العمومية ويعزز الشفافية والمساءلة.
– اعتماد سياسة وطنية للتربية على وسائل الإعلام والمعلومات ومكافحة الأخبار المضللة، من خلال إدماجها في المنظومة التربوية وبرامج التكوين والتوعية، بما يعزز التفكير النقدي، ويرفع من قدرة المواطنين، وخاصة الشباب، على التحقق من المعلومات والاستخدام الواعي للمحتوى الرقمي، ويقوي مناعة المجتمع في مواجهة حملات التضليل، باعتبار ذلك أحد مقومات التنمية المستدامة والمواطنة الرقمية.
– اعتبار وسائل الإعلام شريكا في متابعة تنفيذ مخطط التنمية من خلال تمكينها من النفاذ إلى المعطيات المتعلقة بالمشاريع العمومية، وتوفير آليات دورية لإطلاع الرأي العام على نسب الإنجاز ومؤشرات الأداء.
– وضع برنامج وطني لتحديث الإعلام العمومي وتطوير خدماته، بما يجعله أكثر قدرة على أداء دوره في خدمة المصلحة العامة، ومواكبة التحولات الرقمية، والاستجابة لانتظارات المواطنين.
وتؤكد النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن الدعوة إلى إدراج الإعلام في مخطط التنمية ليست مطالبة فئوية أو دفاعا عن مصالح مهنية ضيقة، وإنما هي دعوة إلى استكمال مقومات التنمية ذاتها. فكل تجربة تنموية ناجحة تحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة شفافة، ومواطن مطلع، ورأي عام قادر على متابعة السياسات العمومية وتقييمها، وهي وظائف لا يمكن أن تؤديها إلا منظومة إعلامية مستقلة ومهنية، قادرة أيضًا على تعزيز الثقافة الإعلامية ومواجهة التضليل وحماية الحق في المعلومة.
و تدعو النقابة أعضاء مجلس نواب الشعب إلى اغتنام فرصة مناقشة مشروع المخطط التنموي لإثرائه في هذا الاتجاه، لبلورة رؤية وطنية تجعل من الصحافة والإعلام رافدا للتنمية، وشريكا في ترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يخدم المصلحة الوطنية ويواكب أفضل الممارسات الدولية.
النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين