التــقــريــــــر الأدبـــــــــي أكـــتوبــر 2023 ــــ 31 ســبتـمـــبــر 2026
مـــقـــدمــــة عــــامــــة
لم تكن ممارسة العمل النقابي والصحفي طوال الثلاث سنوات التي يمسحها هذا التقرير منفصلة عن التحولات السياسية العميقة التي عرفتها البلاد، بل كانت في قلبها ومواجهة مباشرة لتداعياتها. فقد تزامنت هذه الفترة مع إعادة تشكيل متواصل للمشهد السياسي ومؤسسات الدولة، وتراجع واضح في فضاءات الحوار والتعددية، وانحسار أدوار الأجسام الوسيطة، وتضييق متزايد على المجال العام، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على شروط ممارسة الصحافة وعلى قدرة النقابة على أداء دورها في الدفاع عن المهنة وحقوق الصحفيين والصحفيات.
وقد وجد المكتب التنفيذي نفسه، طوال هذه السنوات الثلاث، أمام مشهد سياسي اتسم بتزايد تركيز السلطة وتراجع آليات التوازن والرقابة، وتقلص المساحات المتاحة للنقاش العام والتفاوض، بما جعل الدفاع عن حرية الصحافة جزء من معركة أوسع من أجل حماية المجال العام نفسه. ولم تعد الاعتداءات على الصحفيين والصحفيات، أو الملاحقات القضائية بسبب العمل الصحفي، أو التدخل في المؤسسات الإعلامية وخطوطها التحريرية، وقائع مهنية معزولة، وإنما أصبحت جزء من مناخ عام تتداخل فيه الخيارات السياسية مع السياسات الأمنية والقضائية والإدارية والاقتصادية، وتؤثر بصورة مباشرة في شروط إنتاج الأخبار وفي قدرة الصحفيين على القيام بدورهم الرقابي.
وفي هذا السياق، تراجعت بصورة متواصلة ضمانات ممارسة حرية الصحافة والتعبير، واتسعت دائرة التتبعات والإيقافات والسجن على خلفية قضايا مرتبطة بالنشر والتعبير والعمل الصحفي. كما شهدت الفترة استعمال نصوص قانونية خارج الإطار التشريعي الخاص بالصحافة لملاحقة صحفيين وصحفيات، وهو ما جعل المعركة من أجل احترام المرسومين عدد 115 و116 والدفاع عن خصوصية جرائم النشر وحرية الصحافة إحدى القضايا المركزية في عمل النقابة. وقد مثّل المرسوم عدد 54، ولا سيما الفصل 24 منه، أحد أبرز عناوين هذا الصراع، بالنظر إلى ما أتاحه من إمكانيات واسعة للتجريم في قضايا النشر والتعبير، وما ترتب عنه من آثار مباشرة على الصحفيين وعلى المجال العام.
ولم يكن ذلك بمعزل عن التحول الذي أصاب علاقة السلطة بالإعلام. فقد شهدت الفترة تضييقا على التغطية الصحفية، ومنعا أو إقصاء من بعض الفضاءات والأنشطة، وتدخلا في العمل التحريري، وضغوطا على الصحفيين والصحفيات، إلى جانب عودة مظاهر الرقابة القبلية والبعدية، بما دفع عددا من المؤسسات والصحفيين إلى ممارسة أشكال متزايدة من الرقابة الذاتية. كما ساهمت هذه البيئة في إضعاف التعددية الإعلامية والحد من المبادرة الصحفية، وفي التأثير على حق المواطنات والمواطنين في إعلام مهني ومستقل ومتعدد.
وفي الوقت نفسه، تأثرت استقلالية الهيئات والمؤسسات المنظمة للقطاع بمناخ سياسي اتسم بتراجع التشاركية وتعطل عدد من آليات التنظيم والتعديل. وقد انعكس ذلك خصوصا على واقع الإعلام السمعي والبصري، في ظل استمرار شلل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، وما رافقه من فراغ تنظيمي ومؤسساتي، فضلا عن استمرار الإشكالات المتعلقة بإسناد بطاقات الصحافة المهنية وبطاقات اعتماد الصحافة الدولية، والتصاريح الخاصة بالتغطيات والتصوير، والقيود المفروضة على العمل الصحفي الميداني، بما جعل الصحفيين والمؤسسات أمام بيئة مهنية أقل استقرارا وأكثر عرضة للتدخل والضغط.
وفي موازاة ذلك، تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للقطاع الإعلامي بصورة متواصلة. فقد تزامنت الأزمة السياسية والحرياتية مع أزمة اقتصادية عميقة طالت المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة والجمعياتية، وأدت إلى غلق مؤسسات وتسريح صحفيين وصحفيات، وتأخر صرف الأجور والمستحقات، وتراكم الوضعيات المهنية غير المسواة، واتساع التشغيل الهش والعمل خارج الأطر القانونية. ولم يعد الدفاع عن حرية الصحافة منفصلا عن الدفاع عن الحق في العمل والاستقرار المهني والأجر اللائق والضمان الاجتماعي، إذ أثبتت السنوات الثلاث أن هشاشة الصحفي اقتصاديا ومهنيا تمثل في حد ذاتها أحد أخطر مصادر إضعاف استقلاليته وقدرته على ممارسة المهنة بحرية.
كما فرض المشهد السياسي والاقتصادي العام على النقابة العمل على اكثر من واجهة: معالجة الملفات المهنية اليومية أو التدخل في النزاعات الاجتماعية داخل المؤسسات الاعلتمية، وقضايا الحريات العامة، والملاحقات القضائية، والتشريعات، والاعتداءات على الصحفيين، وأوضاع المؤسسات الإعلامية، والبطالة والهشاشة المهنية، فضلا عن الدفاع عن استقلالية النقابة وحقها في العمل النقابي وفي التفاوض والحوار.
وقد تطلب ذلك حضورا نقابيا متواصلا، ومتابعة يومية للانتهاكات والملفات المهنية والحقوقية، وتدخلا عاجلا لفائدة الصحفيين والصحفيات، سواء من خلال الإسناد القانوني ومتابعة الملفات القضائية، أو عبر التحركات الاحتجاجية والوقفات والمسيرات، أو الزيارات الميدانية للمؤسسات الإعلامية، والاجتماعات العامة واللقاءات مع الصحفيين، أو من خلال البيانات والبلاغات والمراسلات والمواقف الموجهة إلى السلطات والهيئات الوطنية والدولية. كما اعتمد المكتب التنفيذي آليات المناصرة القانونية والتشريعية للدفاع عن الإطار القانوني الخاص بالصحافة، والتصدي للنصوص التي تهدد حرية التعبير، والدفع نحو مراجعة التشريعات بما يضمن حماية الصحفيين والصحفيات ويحترم الضمانات الخاصة بجرائم النشر.
وفي مواجهة هذا السياق، لم يقتصر عمل المكتب التنفيذي على رد الفعل تجاه الانتهاكات، بل شمل أيضا الدفاع عن بقاء الصحافة فضاء عموميا مستقلا، وعن حق المجتمع في الوصول إلى المعلومة وفي إعلام حر ومتعدد ومستقل عن السلطة السياسية ومصالح المال والنفوذ. كما سعى إلى حماية استقلالية النقابة باعتبارها شرطا أساسيا لقدرتها على الدفاع عن الصحفيين والصحفيات، وإلى المحافظة على حضورها كجسم مهني ونقابي مستقل في ظرف تراجعت فيه أدوار العديد من الأجسام الوسيطة وضيقت فيه مساحات الحوار الاجتماعي والمدني.
وفي هذا الإطار، اكتسب التضامن الوطني والدولي أهمية متزايدة في عمل النقابة. فقد حرص المكتب التنفيذي على توسيع شبكة علاقاته مع المنظمات النقابية والحقوقية الوطنية والدولية، وتعزيز التعاون مع الهياكل المهنية والمنظمات المدافعة عن حرية الصحافة، وتفعيل آليات التضامن الإقليمي والدولي لفائدة الصحفيين الملاحقين والمسجونين، وللدفاع عن استقلالية الإعلام وحرية الصحافة في تونس.
وتكتسي حصيلة هذه السنوات الثلاث أهميتها من كونها تعكس، في الآن نفسه، حصيلة العمل النقابي وحجم التحولات التي أصابت البيئة التي يمارس فيها الصحفيون والصحفيات مهنتهم. فعدد كبير من التحركات التي خاضتها النقابة لم يكن هدفه تحقيق مكاسب مهنية جديدة بقدر ما كان موجها إلى حماية مكتسبات قائمة ومنع مزيد من التراجع. وكان على المكتب التنفيذي أن يعمل في بيئة سياسية ومهنية واقتصادية ضاغطة، وأن يواجه في الوقت نفسه الاعتداءات والملاحقات القضائية والتضييقات الإدارية، وأزمات المؤسسات، وتدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومحاولات إضعاف الدور النقابي.
وعليه، فإن قراءة حصيلة المكتب التنفيذي خلال الفترة النيابية التي يغطيها التقرير لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الذي جرى فيه هذا العمل. فهذه السنوات الثلاث شكلت مسارا متصلا من التحديات، تداخلت فيه الأزمة السياسية مع أزمة الحريات، وتقاطعت فيه هشاشة المؤسسات الإعلامية مع هشاشة الوضع المهني للصحفيين والصحفيات، وأصبح فيه الدفاع عن حرية الصحافة والدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية والدفاع عن استقلالية العمل النقابي عناوين مترابطة لمعركة واحدة.
ومن هذا المنطلق، يقدم هذا التقرير حصيلة عمل المكتب التنفيذي خلال كامل الفترة النيابية، من خلال توثيق أبرز التحركات والمواقف والملفات التي اشتغل عليها، ورصد تدخله في قضايا حرية الصحافة والتعبير، ومتابعة أوضاع الصحفيين والصحفيات الملاحقين والموقوفين والمسجونين والمنفيين، والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومتابعة أزمات المؤسسات الإعلامية، والعمل على تطوير الإطار التشريعي المنظم للمهنة، وتعزيز الحضور الوطني والدولي للنقابة، إلى جانب مختلف المبادرات والتحركات التي خاضها المكتب التنفيذي دفاعا عن الصحافة الحرة والمستقلة والتعددية الإعلامية، وعن حق المجتمع في إعلام مهني ومستقل، وعن النقابة باعتبارها إطارا مستقلا للدفاع عن الصحفيين والصحفيات وعن حرية الصحافة.
تجدون التقرير كاملا عبر هذا الرابط